إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 12 نوفمبر 2013

أسرار نداء الإيمان

أسرار نداء الإيمان


O. } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا { .. ورد هذا النداء كثيراً في القرآن الكريم . و هو نداء عميق الدلالة , مشرق الجمال , للجماعة المؤمنة بأحب صفاتهم المميّزة لهم , و أوضح السِّمات التي يتفرّدون بها بين العالمين . ذلك لأنّ الإيمان ليس في معناه الحقيقي إلا صلة قويّة تصل العبد المؤمن بخالقه العظيم . و هي صلة ترسم له مساراً معيّناً في الحياة : لا يند عن عقيدة الإيمان , و لا يتحلل من أخلاق الإيمان , و لا ينحرف عن أهداف الإيمان : } وَ مَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ {[1]} {124} قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَ قَدْ كُنتُ بَصِيرًا {125} قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَ كَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ {126} { [طه] .
♣♣♣
من أجل ذلك , كان هذا النداء الإلهي حبيباً إلى قلب المؤمن :
Ã. لأنّه طاقة هائلة تُجدد فيه روحَ الإيمان و تشيع فيه أنوارَه و تسكب فيه جمالَه , فيتحرّك في واقع الحياة بما فيه من ضغوط و ملابسات , و لكن بروح مؤمنة شفيفة , روح موصولة بالله و عالم الخلود : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَ اشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ { [البقرة:172] .
Ã. و لأنّه يفتح في قلبه و عاقلته أبواب اليقظة الواضحة و الوعي البصير . إنّها اليقظة الخاشعة أمام جلال و عظمة المنادي I , و إنّه الوعي البصير بقيمة التعاليم الرّبانيّة التي يريد الحق تعالى التوجه بها إليه .
Ã. و لأنّه يذكّره بقيمته الكبيرة عند خالقه العظيم .. } وَ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ {28} فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ {29} فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ {30} { [الحجر] .
Ã. و لأنّه يذكّره بميثاقه الجليل مع خالقه العظيم و مهمّته في هذا العالم .. } إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَ أَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ { [التوبة:111] . } وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ { [الذاريات:56] . 
Ã. و لأنّه يمثّل في حسّه – و للمجتمع المؤمن - شهادة إلهيّة , رحيبة الدلالة شديدة الإيحاء , يفتخر و يعتزّ بها بين العالمين .. } لَّقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَ اللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ { [النور:46] .
Ã. و أخيراً , هو حبيب إلى العبد المؤمن لأنّه يذكّره بمصيره بعد الموت و رحيله عن عالم الدنيا الفاني إلى عالم الخلود السرمدي .. } لِّيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ { [سبأ:4] .
♣♣♣
و لهذا كلّه لا يجد العبد المؤمن في كلّ مرّة يسمع هذا النداء الحبيب و يتلقّاه من ربّه الجليل إلا استجماع طاقات كينونته كلّها ليسمع ما يأتي بعده :
Ã. لأنّه يدرك – بحاسّة الإيمان في أعماقه - أنّ كل ما سيأتي بعد هذا النداء العظيم إنّما هو من مقتضيات الإيمان و براهينه , و أنّه من متطلّبات الميثاق و الصلة التي تربطه بخالقه الجليل .
Ã. و لأنّه يدرك  – بحاسّة الإيمان في أعماقه - أنّ كل ما سيأتي بعده إنّما هي تعاليم إلهيّة راقيّة مقصدها النهائي هو : توجيه العبد المؤمن و مساعدته على تبيّن معالم الصراط المستقيم الهادي إلى مباهج السعادة الجميلة في الدنيا و الآخرة .
يقول الحق تعالى بياناً لهذه الحقيقة : } إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَ يُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا { [الإسراء:9] .
هكذا إذن يتذوق العبد المؤمن جماليات هذا النداء الرّباني العظيم , و هكذا إذن يتحسّس معانيه المشرقة الراقيّة .
P. فائدة : عسى أن يكون هذا الذي قلناه بعض السرّ في ذلك المد الطويل الواقع – بحسب الرسم العثماني - في حرف النداء : « » .




[1] . لما كان عالم الآخرة , مجالاً تظهر فيه المعاني النفسيّة بصورها الماديّة , كما وقعت الإشارة في قول الرسول r عن المستكبرين : ) يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر -  أي صغار النمل -  في صور الرجال ( [ تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي , رقم 2492 ] , و لما كان الكافر في دار الدنيا أعمى – من الناحية العقليّة و الروحيّة - عن رؤية براهين الإيمان و دلائل اليقين الموصلة إلى ضرورة الإلتزام بتعاليم الشريعة , بالرغم من جلائها و بيانها الواضح , ناسب في حكمة الله تعالى أن يجيء يوم القيامة أعمى ماديّاً . و الله أعلم .  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق