إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 15 نوفمبر 2013

دلالات الأمر بالتزام الإسلام في الحياة

دلالات الأمر بالتزام الإسلام في الحياة
O. } ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً { .. قال أهل العلم بالتأويل – مثل ابن عباس و مجاهد و قتادة و غيرهم y , و هو اختيار شيخ المفسرين ابن جرير الطبري t - أي : ادخلوا في شرائع الإسلام و تفاصيل أحكامه كلّها , بحيث لا تأخذوا ببعضها و تتركوا بعضها .
نستشف من صيغة هذا التركيب و معنى وروده بعد النداء الرّباني الكريم , المعاني التّاليّة :
هذه الدعوة الرّبانيّة فيها معنى الحثّ و الإغراء بالتزام تعاليم الإسلام و السعي للإرتقاء في مدارج الإيمان , كما ورد في آيات أخرى , مثل : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ { [الحديد:28] . و قوله : } اتَّقُوا اللهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ { [التوبة:119] . و قوله : } يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ { [الأحزاب:1] . فهذه الآيات كلّها دعوات ربانيّة للحرص على الإلتزام المتجدّد بأحكام الشريعة و الإرتقاء الدائم إلى ذرى معاني جماليّاتها في الحياة .
* أنّ مقتضى الإيمان , بل رأس متطلّباته هو : الإنضواء تحت راية الوحي الإلهي بكل الكينونة الشخصيّة : فكراً و شعوراً و سلوكاً و علاقات . هذا الإستسلام الراضي و القبول المطمئن لأحكام الله تعالى و تعاليمه , هو الذي قرّره الحق تعالى في قوله : : } فَلَا وَ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا { [النساء:65] .. و يقول الرسول r : ) لا يُؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ( .
* الدعوة إلى دخول في السِّلم كافة , ليست دعوة مرتبطة بفترة زمنية محددة في حياة العبد المؤمن و المجتمع المسلم , بل بالحري أنّها دعوة لممارسة هذا الدخول الخاضع المطمئن بصورة مستمرة . لأنّ طريق الإيمان طريق محفوفة بشتى المعوقات و مختلف العراقيل عن مسار الإيمان و اتباع تعاليمه في الحياة , كما نبّه الرسول r على هذا فقال : ) حُفت النار بالشهوات و حفت الجنة بالمكاره ( .
Ã. تبرز قيمة هذه الدعوة و أهميّة في عصور الفتن و شيوع الجهل و الإنحراف , مثل عصرنا الحاضر . و لذا حسنٌ جدّاً أن يحرص المؤمن على تجديد إيمانه و التفقد لحال علاقته بالإسلام بكل حمولته العقيديّة و الأخلاقيّة و السلوكيّة و التشريعيّة . و لقد كان هذا دأب الصالحين من قبل , كما كان الصحابة يقولون لبعضهم بعضاً : « تعالوا نؤمن ساعة » . أي تعالوا نجدّد إيماننا و علاقتنا بالله تعالى . و قال تعالى : } وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ { [الحجر:99] .
لا يمكن تحقيق الدخول في السِّلم كافة إلا بشروط معيّنة , نحدّدها في التّالي :
× المطالعة المستمرّة في علوم الدين و ثقافته , خاصة كتب العلماء الرّبانيين .
× القراءة لسير الصالحين و قصص حياتهم , و في مقدمتهم سيدهم النبي الكريم r .
× اتخاذ إخوان صلحاء أتقياء , يُرسِّخ بعضهم في بعض معاني الإيمان : علماً و عملاً .
* مظاهر الدخول في السِّلم كافة , متعددة و مختلفة , نذكر بعضاً منها :
× الحرص على تبنّي مفاهيم الإسلام التّي جاء بها حول الحياة و أشخاصها و أحداثها .
× الحرص على الإلتزام بأحكام الشريعة و معانيها في كل العلاقات و الأهداف .
× الحرص على العمل الدؤوب في نشر رسالة الإسلام الصحيحة بين العالمين .
× الحرص على تجديد الوعي الإسلامي في عقول المسلمين .
* الإيحابيّات التّي يجنيها المسلم من الدخول في السِّلم كافة , كثيرة و متنوّعة , نذكر منها :
× تتغيّر شخصيّته بشكل عميق جدّاً , سواء في تفكيره أم في سلوكياته أم في أهدافه .
× يتحلّى بالإيجابيّة الجميلة في كلّ مظاهر حياته , بسموّها المتألق و عظمتها الكبيرة .
× يصير لبنة صالحة في مجتمعه . فيمارس مهمّته في الحياة و يقوم بدوره كاملاً , بلا عجز و لا ترّدد .
× يشعر بالسلام الباطني جرّاء اعتقاده أنّ الله لن يأمره إلا بما فيه خيره و صلاحه و فلاحه في الدنيا و الآخرة .
× يتحرّر من اتباع الأهواء بشتى ألوانها , سواء كانت أهواء فرديّة أم أهواء حزبيّة أم أهواء اجتماعيّة أم أهواء عالميّة .
× بكل هذا تصلح أحوال المجتمع المسلم , لأنّه يتّبع منهاجاً ربّانيّاً ساميّاً يحيط بمجالات الحياة كلّها .
* السلبيّات التّي يحصدها المؤمن من رفضه الإستجابة لهذه الدعوة الرّبانيّة , بقدر ما هي متنوّعة فهي بئيسة جدّاً , نذكر منها :
× تتأزم شخصيّته و يعشر بالقلق و الإضطراب الحاد , بسبب تناقض عقيدته و حياته الواقعيّة .
× تكون سمته هي السلبيّة و الكلالة في كلّ مظاهر حياته بعلاقاتها و أهدافها .
× لا يستطيع أن يقدم شيئاً ينفع به أمته الإسلاميّة , لأنّه لا يراها جديرة بالإحترام و التقدم .
× يتضاءل إيمانه بالله و الدار الآخرة , بسبب ابتعاده عن شريعته في الحياة .
× لا يجد مفرّاً من الإستعباد للأهواء , سواء كانت أهواء نفسيّة أم أهواء حزبيّة أم أهواء اجتماعيّة أم أهواء عالميّة .
× بكل هذا تفسد و تتأزم أحوال المجتمع المسلم , لأنّه لا يفتأ يستورد حلولاً لحياته من الشرق و الغرب .
* توحي دلالة الآية و إشارة صيغة كلماتها بأنّه لا قيمة للمؤمن - و للجماعة المؤمنة بالتبع - إلا بمدى التزامه بمتطلبات الإيمان .. } قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَ الْإِنجِيلَ وَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ { [المائدة:64] . فهذه الإقامة لتكاليف الإيمان بشتى مكوناته هي البرهان الساطع و الدليل التطبيقي على معنى الإيمان في قلبه و ضميره .
Ã. هذه الدعوة الرّبانيّة ليست نابعة من منطلق أنّها مقتضى الإسلام و متطلّب الإيمان . بل بالحريّ أنّها نابعة من معرفة عميقة بطبيعة النفس البشريّة و قوانين الإشتغال فيها . و لذا فهي تعاليم و تكاليف تراعي معاني الفطرة في الإنسان , و تتعامل معها بطبيعتها التي فطرها الله عليه , بلا تكلّف و لا اعتساف , و بلا إفراط و لا تفريط .  } فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ { [الروم:30] . يقول الرسول r : ) بُعثتُ بالحنيفيّةِ السمحة ( . أي حنيفيّة في العقائد , سمحة في الأخلاق و الشرائع .
* لا يفتأ المؤمن يستجيب لهذه الدعوة الرّبانيّة سواء في ذاته نفسه أم في نشرها بين النّاس , ليس فقط – و هذا واجب – لأنّ الله أمره بذلك , بل أيضاً لأنّه ببصيرته الإيمانيّة و عقيدته الرّبانيّة يسعى للتعاون مع الآخرين على إقامة شرائع الإسلام في الحياة , من عقيدته الراسخة أنّها حق كلّها , عدل كلّها , خير كلّها . كما أنّه ينطلق من منطلق محبّته الخير و الفلاح و السعادة للنّاس جميعاً , سواء الذين تربطه بهم رابطة معيّنة أم لا . كما قال رسول r : ) لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ( .
* الآية فيها بيان واضح على أنّ هذا الدين لا يمكن إقامته إلا من خلال مجتمع يؤمن أفراده بشريعته بكل شحناتها : العقيديّة , و القيميّة , و القانونيّة , كما نبّه الحق تعالى صراحة فقال : } أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ { [المائدة:50] . و لهذا لا يوجد في القرآن – إن لم تخني الذاكرة – خطاب إلهي للفرد المسلم أثناء الحديث عن ضرورة إقامة الشريعة و تطبيقها في واقع الحياة العامة .
Ã. الآية فيها دعوة صريحة للإجتهاد و التجديد في أساليب التّعامل مع معطيات هذا الدين , حتّى يمكن للإنسان في كل زمان و مكان أن يستجيب لأحكام الإسلام و يدخل فيها كافة . و ذلك أنّ طبيعة الحياة هي التغيّر المستمر , و لأنّ هذا الدين نزل ليكون منهج الحياة حتّى تقوم الساعة , فقد اهتم الحق تعالى بتوضيح قواعد و أصول و مقاصد الشريعة , دونما اهتمام كبير بالتفاصيل الجزئيّة , التّي تتغير بتغيّر الزمان و المكان . و لهذا قال رسول r : ) إنّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كلّ مائة سنة من يجدّد لها دينها ( .
* حظ العلماء و الدعاة من هذه الآية , أنّها تنبيه واضح الدلالة على ضرورة أن يلتزموا بمبادئ الشريعة و أحكامها و هم يبيّنون للنّاس تعاليم دينهم , دونما تنازل منهم عن حقائق الدين , بدعوى التيسير أو المصلحة أو الضرورات المعاصرة أو ما شابه هذا . ذلك لأنّ هذا الدين نزل ليرتقي بالإنسان : تفكيراً و أخلاقاً و سلوكاً و معاملات و أهدافاً , فإذا تخلّى العلماء و الدعاة عن هذه الحقيقة في خضم تعاطيهم مع أقضية النّاس و أحوالهم , فإنّ هذا الدين سيفقد تلقائيّاً معناه و الغاية التّي ينشدها .
* الآية فيها دليل ساطع على امكانيّة صناعة هذا الدين الخالد في كل فترة و حين لجيل يضارع في تميّزه و روعته تميّز و روعة الرعيل الأول من الصحابة y , كما أشار الحق تعالى إلى هذا المعنى في قوله : } وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا { [النور:55] . و من ثمَّ فهذا رد على من يعتقد أنّ جيل الصحابة و مجتمعهم يستحيل تكراره واقعاً , فإنّ أقل ما في هذا الإدعاء أنّه تشكيك لقدرة منهج الإسلام على الخلق و الإبداع مرّة أخرى , و أنّ ما فعله في عصر الصحابة إنّما كان وليد ظروف معيّنة لا يمكن أن تكرر مرّة أخرى . و هذا فيه ما فيه .
* لا شك أن الفرد حينما يعيش في مثل هذا المجتمع المصبوغ بصبغة الإيمان و المؤطر بإطار الإيمان و المتماسك بآصرة الإيمان , سيندفع لتفتيق طاقاته كلّها للعمل و الكشف و الإبداع لأجل هذا المجتمع الذي كفل له كل الضمانات و الإمكانيّات . و هذا ما وقع تاريخيّاً عندما انطلق المسلمون الأوائل يبشرّون بجماليات هذا الدين و عدالته و سموه بين العالمين , فقد شهد التّاريخ أنّ الشعوب لم تجد حرجاً في الإنتماء إلى هذا الدين , بل إن العجيبة الكبرى , أن جمهوراً عريضاً من تلك الشعوب صار من أعلام هذا الدين و أئمة خالدين : في التفسير و الفقه و الحديث و اللغة و الفيزياء و الرياضيات و غيرها .

P. فائدة : عسى أن يكون هذا بعض السر في ذلك المد – كما هو في الرسم العثماني - الواقع في كلمة : « » , للإشارة – و الله أعلم – إلى وجوب الخضوع المستسلم لتعاليم المنهج الرّباني بكل طاقات الإنسان : العقليّة و النفسيّة و الماديّة , و تطبيقها في مختلف مجالات الحياة : السياسيّة و الإقتصاديّة و الثقافيّة و التربويّة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق